وهبة الزحيلي
105
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
النصارى ، ومنهم من أثبت معبودا غير اللّه جمادا ، ليس بحي ولا عاقل ولا فاهم ، وهم عبدة الأوثان . والفريقان وإن اشتركا في الضلال ، إلا أن ضلال الفريق الثاني أعظم ، فلما بين تعالى ضلال الفريق الأول ، تكلم في ضلال الفريق الثاني ، وهم عبدة الأوثان . التفسير والبيان : وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا هذا عطف على قوله تعالى : وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ الذي هو عطف على قوله : ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا أي واذكر أيها الرسول إبراهيم الصدّيق النبي ، خليل الرحمن ، أبا الأنبياء ، وأتل خبره على الناس في الكتاب المنزل عليك ، فهو بالحجارة ، وفي ذلك إيناس للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عما يلقاه من أذى قومه ، وغلظة عمه أبي لهب ، وفظاظة أبي جهل . إِذْ قالَ لِأَبِيهِ : يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ ، وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً اذكر إبراهيم حين قال بلطف وعقل واع وبرهان قاطع لأبيه آزر : يا أبت ، لم تعبد ما لا يسمع دعاءك إياه ، ولا يبصر ما تفعله من عبادته ، ولا يجلب لك نفعا ، ولا يدفع عنك ضررا ، وهي الأصنام الجمادات . يا أَبَتِ ، إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ ، فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا أي يا أبي ، وإن كنت من صلبك ، وتراني أصغر منك ؛ لأني ولدك ، فاعلم أني قد اطلعت من العلم من اللّه ، على ما لم تعلمه أنت ولا اطلعت عليه ولا جاءك ، فاتبعني في دعوتي أرشدك طريقا سويا مستقيما موصلا إلى نيل المطلوب ، منجيا من كل مرهوب ومكروه .